أحمد بن علي القلقشندي

186

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلأمت ما صدعه الدهر من مروته ، وجدّدت ما أخلقه من فروته ، فكفّ المملوك يديه [ عن ] امتحان الخلَّان ، وقبض لسانه عن شكاية الزّمان ، وأقرّ ماء وجهه في قرارته ، وحفظ على جاهه لباس وجاهته ، فيا له من برّ وقع من الفقر ، موقع القطر من القفر ، ولم يتقدّمه من قدامة الوعد ، ما يتقدّم القطر من جهامة الرّعد ، وكلّ معروف وإن فاضت ينابيعه ، وطالت فروعه ، قاصر عن الأمل في كرمه ، واقع دون غايات هممه ، كما أنّ الشكر ولو واكب النّجم ، وساكب السّجم ( 1 ) ، قاصر عن مكافاة تفضّله ، ومجازاة تطوّله ، والمملوك يسأل اللَّه تعالى الذي جعله قدوة الكرام ، وحسنة الأيّام ، وربّ الإنعام ، وواحد الأنام ، أن يلهم المملوك من حمده ، بقدر ما أسبغه عليه من رفده . رقعة شكر : عند المملوك لسيّدي أياد وصلت سابقة هواديها ، وظلَّت لا حقة تواليها ، فصارت صدورها نسبا أعتزي إليه ، وأعجازها [ سببا أعوّل في الملمّات عليه ] . رقعة : لولا أنّ اللَّه تعالى جعل الشّكر ثمرة البرّ ، والحمد جزاء الرّفد ، وأراد إقرارهما على أهلهما من الغابرين ، وأن يجعل لهم منّا لسان صدق في الآخرين ، لكان الذي غمر به مولانا من الإنعام ، يتحدّث عنه تحدّث الرّياح بآثار الغمام ، ويكفى المملوك بالإشارة ، مؤونة العبارة ، والمملوك وإن رام تأدية ما يلزمه من شكره ، قاصر عن غاية برّه ، ولو استخدم ألسنة الأقلام ، واستغرق أمدي النّثار والنّظام ، ومولانا جدير بقبول اليسير ، الذي لا تمكن الزّيادة عليه ، والصّفح عن التقصير ، الذي تقود الضرورة إليه ، إن شاء اللَّه تعالى . رقعة : لو أنّ هذه العارفة بكر عوارفه ، وباكورة لطائفه ، لعجزت عن شكرها ، وقصّرت عن نشرها ، فكيف وقد سبقها قرائن ونظائر ، وتقدّمها أتراب وضرائر [ مما ] أثقل من المملوك كاهله ، وبسط به يدي أمله ؟ فما يعدم شيئا

--> ( 1 ) السجم ، بالتحريك : الدمع ؛ يقال : سجمت العين ، القاموس المحيط ( سجم ) .